السيد رضا الصدر
36
محمد ( ص ) في القرآن
فدوام وجوده المبارك وبقاء حياته المقدّسة معجزة عظمى وآية كبرى لمن تفكّر وتدبّر ، ولم يكن ذلك إلّا بعناية من ربّه العزيز الرحيم ، فحفظه وحماه وحرسه إلى أن أدّى واجبه ، وبلغ غايته ، فدعاه ربّه إلى لقائه ، وفاز بجزيل ثوابه وجليل عطائه . ومنها : حسن الإدارة ، وهو صفة شريفة غالية يفترض وجودها في الزعيم ، وإلّا لا تتمّ له زعامته ، وإنّها لمن أفضل العلوم الاجتماعية وأجداها . ولقد أصبح في هذا العصر من الفنون الراقية ، وخصّصت لدراسته أقسام في الجامعات الكبرى . إنّ حسن الإدارة في القوّاد والزعماء ليس بوسيلة في نفسه ، بل هو في ذاته فوز ونجاح ؛ لكونه من أقرب الوسائل وأفضلها وأجداها . وكان العظيم محمّد صلّى اللّه عليه وآله أعظم الناس في هذه الصفة الاجتماعية الكريمة ، ولم تكن من علاه إلّا إحدى المعالي ، وعلى هذه فقس ما سواها . لم يكن محمّد صلّى اللّه عليه وآله مارس هذا الأمر قبل بعثته ، ولم يلتق مع من له به معرفة ، ولكنّه قد أتى من حسن الإدارة في قومه ما لم يشاهد له نظير . وهم قوم كانوا أبعد البشر عن الإنسانية ، وأقربهم إلى الهمجيّة ، في حين أنّه لم يكن يعوزهم الذكاء والدهاء ويصعب عليهم الانقياد والخضوع لأحد . ولم يعاملهم كحاكم عسكري أسود ولا أحمر ، ولم يتعامل معهم كحاكم مستبدّ ديكتاتور ، بالرغم من كون قيادته أفضل قيادة ، وإدارته أحسن إدارة في السلم والحرب والسفر والحضر . وقد أرشدهم ووجّههم إلى الإنسانية المثلى ، وهداهم إلى الحقّ والرشاد ، وخلق منهم الكثير من نماذج الإنسانية الراقية . وممّا يلفت النظر : أنّ حسن إدارة محمّد صلّى اللّه عليه وآله في بيته لأزواجه كان معجزة بنفسها ، فإنّه من المستحيل - بحسب العادة - أنّ الرجل الذي يعمل بالعدل بينهنّ ويوفي كلّ واحدة منهنّ حقّها أن يكون وضع بيته طبيعيّا وإنسانيا إلى هذا الحدّ ، ولا سيّما إذا علمنا أنّ الوصفين - حسن الإدارة في البيت وهو المجتمع الصغير الداخلي ، وحسن